أحمد بن يحيى العمري
35
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
رجل رأى بعين البصيرة واطّبع ، وتمثّل بصفاء السريرة هول المطلع ، أسمعه النذير ، وأسرعه النفير ، وزجره واعظ القرآن فازدجر ، وألان قلبه - وكان من حديد أو حجر - ، وقد مضت عليه سنون كان سائحا في سنتها « 1 » طافحا بسمتها ، وشبابه مقتبل ، وشأنه أنه لغرّة العمر مهتبل ، فردّ سيله قبل بلوغ القرآن ، وأنام سيفه بعد ما فقد غراره « 2 » ، وذلك حين آن له المتاب ، وسبق له الكتاب ، فعمل بعمل أهل الجنة ، وأظهر الله له من سرّه ما أجنّه . وروى أبو القاسم القشيري بسنده قال : كان الفضيل شاطرا « 3 » يقطع الطريق بين أبيورد « 4 » وسرخس . وكان سبب توبته : أنه عشق جارية ، فبينا هو يرتقي الجدران إليها ، سمع تاليا يتلو : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ « 5 » ، فقال : يا رب ! قد آن . فرجع ، فآواه الليل إلى خربة ، فإذا فيها رفقة « 6 » ، فقال بعضهم : نرتحل ، وقال قوم : حتى نصبح ، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا . فتاب الفضيل « 7 » ، وأمّنهم ، وجاور الحرم حتى مات . وقال الفضيل بن عياض : " إذا أحبّ الله عبدا أكثر غمّه « 8 » ، وإذا أبغض عبدا وسّع عليه دنياهء « 9 » " . وقال ابن المبارك : إذا مات الفضيل ارتفع الحزن . « 10 »
--> ( 1 ) السنت : أرضة سنتة لم تنبت " القاموس مادة سنت " . ( 2 ) الغرار بالكسر : حد الرمح والسيف والسهم " القاموس مادة غرر " . ( 3 ) شطر " بضم الطاء " شطارة : اتصف بالدهاء والخباثة ، فهو شاطر ، والشاطر أيضا : من أعجز أهله بخبثه . ( 4 ) أبيورد : مدينة بخراسان بين نسا وسرخس ، فتحت على يد عبد الله بن عامر بن كريز ، سنة إحدى وثلاثين ، وهذه المدينة تابعة اليوم لتركستان إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق . ( 5 ) سورة الحديد الآية / 16 . ( 6 ) أي جماعة من الناس . ( 7 ) أي : جدّد توبته وأظهرها . ( 8 ) وذلك بتذكره لأمر آخرته وما يؤول إليه ، وتقصيره في أمر دينه وطاعة ربه ، فيغتم لذلك . ( 9 ) قال الشيخ زكريا الأنصاري : " أي شغله عنه بحبه لها " . ( 10 ) وذلك لكونه رضي الله عنه أكثر الناس حزنا في وقته .